واقعة الطف .. الجريمة السياسية

عدد القراءات : 1118
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
واقعة الطف .. الجريمة السياسية

سجاد بيرقدار

إن جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإمام الحسين بن علي و أهل بيته و أصحابه في واقعة الطف قبل ما يقارب 1379 عاما ، كانت و لا تزال من أكثر الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية بجميع أبعادها السياسية أو الدينية أو الإجتماعية . هذه الجريمة النكراء كانت و ستبقى وصمة عار في جبين السلطة الحاكمة آنذاك بجميع مؤسساتها العليا و التنفيذية و القضائية بالإضافة إلى كثير من الرموز الإجتماعية و الثقافية و العلمية لو صح التعبير ، ذلك أن خروج الإمام الحسين على السلطة الحاكمة ' كثورة سياسية و دينية ' كان لعدة أسباب أهمها انتهاء العقد الموقع ' كاتفاق سياسي ' بين الإمام الحسن بن علي و الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان .

هذا الإتفاق الذي كان يقضي بأن تنتقل السلطة إلى للإمام الحسن بعد وفاة الخليفة معاوية فإن حدث به حادث فلأخيه الإمام الحسين ، و ليس للخليفة معاوية أن يعهد الى أحد . بعد وفاة مؤسس الدولة الاموية " معاوية " و تولي ولده يزيد مقاليد الحكم طلب البيعة من مجموعة من الشخصيات المهمة كان على رأسها الامام الحسين الذي رفض مبايعته و قرر الخروج على السلطة التي خالفت الاتفاق السياسي بين أخيه الامام الحسن و الخليفة الاموي الاول معاوية و توجه الى مكة قبل أن يسير نحو العراق بعد عديد الرسائل من قبل أهل الكوفة التي تدعمه في حركته الثورية و تدعوه الى القدوم الى الكوفة تمهيدا لاستلامه حكم العراق .

كان الامام الحسين يدرك تماما إن الثوار عندما يقومون بثوراتهم فأنهم لا يكتسبون هذه التسمية إلا عندما تحقق أفعالهم تغييرا جذريا و حقيقيا في المجتمع الذي ثاروا فيه و على مختلف الصعد و الأبعاد بحيث يغدو المجتمع بعد ثورتهم مختلف تماما عما كان عليه قبلها لذا كانت حركته الثورية حركة اصلاحية ليست سياسية و حسب بل دينية و اجتماعية .

هذا الاصلاح الشامل كان المشروع و الغاية التي تستحق أن يبذل في سبيل تحقيقها الغالي و النفيس لأنها غاية سامية بكل ما تحمل الكلمة من معنى . طيلة الثورة الحسينية بصورة عامة و في واقعة الطف بصورة خاصة حيث قضى فيها الحسين شهيدا رفقة أهل بيته و أصحابه سطر الامام الحسين أروع الدروس الانسانية و رسم أبدع اللوحات التي تجسد روح الاسلام و مبادئه و قيمه العظيمة خاصة على الصعد السياسية و العسكرية و الدينية و قبل هذا و ذاك على الصعيد الانساني عبر الالتزام التام بالمثل و الاخلاق الاسلامية في التعامل مع الاخرين سواءا كانوا من أنصاره أو خصومه .

لم تتوقف نتائج ما حصل سنة 61 هجرية على ارض كربلاء عند هذا التأريخ ، بل استمرت و تراكم زخمها مع مرور السنوات و العقود و القرون ، فبعد اغتيال الامام الحسين المأساوي دقت أجراس التغيير و النقمة في كل العالم الإسلامي و كان من نتائجها القريبة و المباشرة هو تمزيق وحدة الصف المعادي الذي ثاروا عليه ، فقد أدرك قادة هذا الصف حجم الكارثة التي حلت بهم و النفق المظلم الذي وضعهم فيه قتلهم الامام الحسين فبدئوا يتبرؤون من فعلهم و يلقي كل منهم مسؤولية ما حصل على غيره . و هذا ما شاهدناه في سلوك رأس السلطة آنذاك يزيد الذي حاول ألقاء المسؤولية على عبيد الله بن زياد " والي الكوفة وقتئذ و هذا ما يضعف السلطة و يذهب بقوة أرادتها و يجعلها هشة غير قادرة على المقاومة ، و معظم الثوار يضعون تحقيق هذا الأمر في سلم أولوياتهم للانتصار على أعدائهم .

بعد ذلك ازداد زخم التأثير السياسي لواقعة كربلاء من خلال الصدمة القوية التي تعرض لها ضمير الأمة ، فاهتزت لها قلوب النادمين و الناقمين على قتل سبط الرسول ، و بدئوا يبحثون عن السبل الكفيلة للثأر من قاتليه . أصبحت كربلاء عنوانا للثورة و التمرد على الحكم الاموي ، و قد بدأت أولى هذه الثورات بثورة التوابين عام 65 هجرية ، ثم ثورة المختار الثقفي عام 67 هجرية ، مرورا بثورة زيد الشهيد عام 122 هجرية وصولا إلى إسقاط حكم الأمويين في عام 135 هجرية و تأسيس حكم بني العباس الذي استغل اسم الحسين لكسب مشروعيته و شرعيته . لذا كان خروج الحسين عام 61 هجرية يمثل ثورة بكل المقاييس ، بل هو ثورة عظيمة ليس لها نظير في قيمها ، و دلالاتها ، و أبعادها ، و تأثيراتها ألهمت و ستُلهم جميع الثورات و تضع المعايير الصحيحة للتمييز بين طلاب الإصلاح و طلاب السلطة ، بين من ينشرون الحب و التسامح و من ينشرون الخراب و الدمار .

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي
الأكثر مشاهدة